خالد السويدي
 خالد السويدي  
  سيرة ذاتية     كلمة اخيرة  
     
   
 
اسماعيل شاكليته.... قصة من كتابي

scan0001.jpg

وقف شاكر قرب دكانه القديم الواقع بجانب سكة الخيل في دبي فتراءى له شخص يعرف ملامحه جيداً رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على آخر مرة شاهده فيها. تحشرجت الكلمات في حلقه وهو يصيح بصوت عال:
- إسماعيل شاكليته… إسماعيل.

نظر الرجل الجالس في السيارة باتجاه شاكر، لكنه لم يجبه، تحركت السيارة التي يقودها السائق بينما الرجل جالس في المقعد الخلفي، شرد ذهن الرجل، عاد بذاكرته إلى سنوات طويلة مضت.

تذكر الحي الذي عاش به لسنوات عديدة، فهناك تعرف على الشخص الذي ناداه قبل قليل، شاكر! صاحب الدكان في الحيّ نفسه، فقد كان يتردد عليه يوميا ليشتري الحلويات والشوكولاته حتى أطلق عليه لقب (اسماعيل شاكليته).

لم يكن قد تجاوز حينها الخامسة عشرة من عمره عندما توفّي والداه في حادثة غرق السفينة الهندية قرب مضيق هرمز، فتكفلت به عمته نسرين التي كانت أشهر من نار على علم، ولم تكن شهرتها نابعة من فراغ، رغم أنها لم تشغل أية وظيفة حكومية مرموقة؛ وإنما كانت معروفة في المدينة بفضل ما كانت تجلبه من الهند وبعض الدول في تلك الأيام، وهي كامرأة لم تنل نصيباً من الجمال، فعيناها متخاصمتان، كما أنها عانت من شلل الأطفال فصارت عرجاء في بداية طفولتها، وكان يميزها ضرس الذهب الذي كلما فتحت فاها لمع في وسط النهار.

عاش إسماعيل مع عمته في البيت المكون من ثلاث غرف صغيرة: الأولى، كانت له ولعمته، أما الغرفتان الأخريان، فقد كانتا للعمل، ومن ثم النوم للموظفات الكادحات اللائي يعملن ليل نهار. والصالة الصغيرة كانت مخصصة لاستقبال الزبائن، زبائن من مناطق كثيرة، جنود بريطانيون وهنود وإيرانيون ومواطنون وجنسيات أخرى، حتى البحّارة ترددوا على بيت نسرين للمتعة وقضاء أسعد الأوقات.

في تلك الفترة ترك إسماعيل الدراسة بعد وفاة والديه، ولم يعش كأقرانه الفتيان، حتى في الوقت الذي يسمح له بالخروج للعب في منطقة الرأس التي لا تبعد أكثر من كيلومترين، كان يعود حزيناً بسبب التعليقات التي يسمعها من الصبيان ومعايرتهم له بعمته نسرين وما يحدث في بيتهم. ولم يجد في تلك الفترة ما يشغله سوى الاعتناء بالبيت والزبائن، بينما كانت عمته تقضي معظم وقتها في الجلوس في الصالة والاستماع للإذاعة وتدخين (الجدو).

كانت عمته شديدة البخل ونادراً ما تشتري له ملابس جديدة، وكان في معظم الأوقات يرتدي السروال المخطط مع فانلة قد اصفرّ لونها من العرق والوساخة، ولم يعد يجدي معها نفعا غسلها بالماء والصابون، وفانلته هذه في زمننا هذا تعجز عنها كافة مساحيق الغسيل، فكان يضطر في بعض الأحيان إلى الخروج من المنزل لشراء بعض الأغراض، مرتديا الشورت القصير المليء بالمربعات والمثلثات الشبيهة بنجمة إسرائيل، والذي يسميه الناس (هاف اسرائيلي) فتلاحقه النكات والتعليقات من الشباب الذي يلعبون الورقة قرب دكان شاكر.

تعلم إسماعيل توفير النقود لنفسه بعيداً عن أعين نسرين، وكان يضع النقود في حفرة قرب البئر الموجود في باحة البيت، وكثيرا ما كان يشفق عليه المترددون على المنزل فيكون نصيبه بضع روبيات هندية، إن كان الزبون ميسور الحال.

ظل على هذه الحال عدة سنوات حتى توفيت عمته نسرين بمرض غريب لم يستطع الأطباء تشخيصه في ذلك الوقت، وكان من حسن حظه أنَّه الوريث الوحيد، خصوصا عندما تفاجأ بأن حصيلته من الميراث بلغت ما يقارب الثلاثين ألف روبية صرفها من البنك البريطاني للشرق الأوسط.

استمر اسماعيل في نفس المهنة التي امتهنتها عمته. وفي أواخر الستينيات قامت الحكومة بطرد السكان الذين امتهنوا الدعارة في هذه المنطقة فاختفى عن الأنظار ولم يشاهده أحد من معارفه لسنوات طويلة.

مرت هذه اللحظات التي تذكرها إسماعيل مثل شريط سينمائي استعرضه منذ وصوله لسكة الخيل وخروجه منها ولم يقطع هذه اللحظات سوى صوت السائق:
- إلى أين تريد الذهاب الآن يا سيد راشد؟
- توجه إلى مكتب رئيس البورصة… إنّه في انتظاري!

 
أضيفت بتاريخ   2010/4/2 11:34 PM    
 
  تعليقات القراء (4)

1- القصه تبين مراحل اللي عاش فيها راشد كيف اصبح من كبار الشخصيات و لكن مع ذلك معناة الطفوله مازالت عايش فيه مهما حاول القصه رووعه مع انها قصيره لكن تحمل الكثير بين سطورها بالتوفيق ف الكتابه

التعليق: بواسطة رموز 2010/6/10 4:56 PM
 
2- جميلة جدا وتصور مرحلة زمنية قلائل كتبوا عنها

التعليق: بواسطة عبدالرحمن حماد 2010/4/4 4:44 PM
 
3- قصة رائعة عشت معها و مع تفاصيلها و تخيلت اسماعيل و كيف مر شريط الذكريات أمام عينيه ... سبحان الله فقد أصبح من كبار رجال الأعمال بعد أن كان يعمل في الـ... شكرا لك استاذ خالد ..

التعليق: بواسطة أحمد عمر 2010/4/5 2:10 PM
 
4- قصة رائعة وفيها الكثير من العبر والدلالات ، وفقك الله استاذ خالد

التعليق: بواسطة همسات 2010/7/21 6:43 AM
 


أضف تعليقاً على هذه المادة

الاسم   *
 
البريد الألكتروني   *
 
الموقع الشخصي  
 
التعليق  
 
   
 
    ( * ) هذه العلامة تدل على ان بيانات الحقول مطلوبة

khit.jpg خيط بيني وبينك
     مجرد ثرثرة ..... خيط رفيع بيني وبينك كلانا يمسك به من احد طرفيه لم اسحبه ولم تسحبيه لكنه  »»
أضيفت بتاريخ   2010/2/13 11:38 PM    تعليقات

aaa.jpg زبالة وطن
يتسابق المواطنون وغير المواطنون منذ عدة أيام على تزيين سياراتهم ويتفننون في كيفية أن  »»
أضيفت بتاريخ   2009/12/3 11:50 AM    تعليقات (5)

316.jpg خراريف رياضية
كل عام وانتم بخير مرتين، الأولى بمناسبة عيد الفطر السعيد، والثانية بمناسبة انطلاق دوري  »»
أضيفت بتاريخ   2009/9/25 12:11 PM    تعليقات

deee.jpg إن لله وإن إليه راجعون
    بسم الله الرحمن الرحيم  قال تعالى"  يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً  »»
أضيفت بتاريخ   2009/9/3 2:58 PM    تعليقات (11)

 
ramd.jpg ســــوالـــــف
  *  بمناسبة شهر رمضان الكريم اعلنت (فطوم س ش ص) عن انقطاع هاتفها مؤقتا  »»
أضيفت بتاريخ   2009/8/27 6:24 PM    تعليقات (9)

بطلُ رغـم انفـي
  بسم الله الرحمن الرحيم بفضل الله تم إصدار كتابي الأول " بطل رغم انفي". يحوي الكتاب  »»
أضيفت بتاريخ   2009/6/27 10:34 AM    تعليقات (41)

frontcovernew1.jpg بدون تعليق
السلام عليكم ورحمة الله  قريباً جداً.... بطل رغم أنفي      »»
أضيفت بتاريخ   2009/6/6 10:15 AM    تعليقات (18)

ediot.jpg حمقى ام مغفلون
استغلال في استغلال، يقولون تجارة وإنما هي استغلال، ينظرون لنا كما الدجاجة التي تبيض  »»
أضيفت بتاريخ   2009/5/16 11:50 PM    تعليقات (6)


   أرشيف المواد
   أعضاء اتحاد المدونين

إجراءات
 
 
ارتباطات

 
 
عدد الزوار